تراجع الأهتمام بالديموقراطية لدى الشعوب الجائعة فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نريد خبزا فقط

أربعاء, 07/06/2022 - 19:38

اظهر استطلاع جديد تراجع الأهتمام بالديموقراطية فى الدول العربية نتيجة فشل الحكومات والأحزاب والبرلمانات فى تحقيق شيء للشعوب وإنما تم تكريس الغبن والفساد والمحسوبية السياسية على حساب الشعوب التى عانت من الفقر والتخلف وسوء الإدارة

كشف استطلاع، أجرته شبكة الباروميتر العربي للأبحاث لصالح قناة بي بي سي نيوز عربي، عن أن المواطنين العرب في تسع دول عربية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا إضافة الى الأراضي الفلسطينية، فقدوا ثقتهم في تحسن أوضاعهم الاقتصادية في ظل نظام سياسي ديمقراطي.

وشمل استطلاع الشبكة التي تتخذ من جامعة برينستون الأمريكية مقرا لها، سبر آراء ومواقف 23000 شخص من الأردن ولبنان ومصر وتونس وموريتانيا والمغرب والسودان والعراق وليبيا والأراضي الفلسطينية. وأجري الاستطلاع بين أواخر عام 2021 وربيع عام 2022. ويعد استطلاع الرأي هذا الأوسع نطاقا في العام العربي على الإطلاق.

هل تحقق الاستقرار الاقتصادي في ظل الديمقراطية؟

وردا عن سؤال حول ما إذا كان الأداء الاقتصادي قد تحسن في ظل نظام ديمقراطي، رد غالبية المستطلعة آراؤهم بالقول إن الديمقراطية لم تف بالاستقرار الاقتصادي بل إن الأداء الاقتصادي اتسم بضعف أكبر.

وعبرت عن هذا الرأي نسب تراوحت بين 72% في العراق و70% في تونس 62% في الأراضي الفلسطينية و60% في ليبيا و55% في الأردن و52% في لبنان و50% في السودان و47% في المغرب فيما لم يطرح هذا السؤال على المستطلعين في مصر.

وفي تعليقه على نتيجة الاستطلاع قال الدكتور مايكل روبنز، مدير شبكة أبحاث الباروميتر العربي، التي أعدت الدراسة بالتعاون والتنسيق مع عدد من الجامعات ووكالات استطلاع الرأي العام في الشرق الأوسط وشمال افريقيا: "ثمة إدراك على نحو متزايد في المنطقة بأن الديمقراطية ليست النظام الأمثل للحكم وأنها عاجزة عن إصلاح كل شيء..."

وعزا الدكتور روبنز فقدان المواطنين العرب الثقة في الديمقراطية بالقول: " الناس يعانون من الجوع عبر دول المنطقة.. الناس بحاجة للخبز... محبطون من الأنظمة السياسية التي تحكمهم."

هل تفضل حكومة فعالة بغض النظر عن شكل نظامها السياسي؟

وعن سؤال للمشاركين في الاستطلاع حول ما إذا كانوا يفضلون حكومة فعالة أيا كان شكل نظامها السياسي، قال أكثر من 60% عبر الدول التسع إنهم لا يعترضون عن شكل الحكم طالما اتسمت السياسات الحكومية بالفعالية.

وتصدر العراق القائمة بـ 79% ثم تونس وليبيا 77% ثم الأردن 76% فموريتانيا 73%. وانخفضت هذه النسبة الى 69% في لبنان و66% في مصر و62% في كل من الأراضي الفلسطينية والمغرب واستقرت عند 61% في السودان.

ويشير واضعو هذه الدراسة الى أن هذا الاستطلاع جرى في تونس خلال شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين في وقت كانت فيه إجراءات الرئيس قيس سعيد التي اتخذها في 25 من يوليو 2021 لا تزال تتمتع بشعبية واسعة. بالتالي ثمة احتمال أن تكون نسبة التأييد تلك قد تقلصت بسبب استمرار الأزمتين السياسية والاقتصادية وتفاقمهما في البلاد اليوم. وبالتالي ربما تغير موقف الرأي العام شيئا ما.

ونقل الدكتور روبنز مدير الشبكة التي أعدت الاستطلاع عن مشاركين تونسيين في الاستطلاع تساؤلهم "ما الذي جنيناه من الديمقراطية؟ القليل جداً في حياتنا اليومية."

هل تحبذ حكم زعيم قوي حتى وإن تجاهل نص بالقانون؟

ومما يعزز الاعتقاد بأن الديمقراطية لم تعد أولوية لدى الشعوب العربية في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين قال أكثر من نصف المستطلعة أراءهم في الدول العربية التسع، باستثناء المغرب، إنهم يحبذون حكم "زعيم قوي، حتى وإن لم يلتزم بنص القانون، لتحقيق نتائج ملموسة".

وهنا تصدر العراق أيضا قائمة الدول العربية الممثلة في الاستطلاع بنسبة 87% فتونس 81% ثم لبنان 73% وليبيا 71%. وانخفضت هذه النسبة الى 65% في موريتانيا والسودان 61% والأردن 53% فالأراضي الفلسطينية 51% واستقرت عنة 48% في المغرب. فيما لم يطرح السؤال على المستطلعين في مصر.

الفشل السياسي يولد الفشل الاقتصادي

وتعزو أماني جمال، التي شاركت في تأسيس شبكة الباروميتر العربي للأبحاث، وعميدة كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة برينستون الامريكية، ردة الديمقراطية في الدول العربية لأسباب ترتبط ارتباطا وثيقا بصعوبة المعيش اليومي للمواطن العربي وتضيف: "لا أعتقد أن الرغبة في الاستبداد أو الارتباط بثقافة سياسية مستبدة هما السبب. الحقيقة تكمن في أن النظام الديمقراطي فشل اقتصادياً. ولدينا في تونس مثالا واضحا."

الصعوبات الاقتصادية أكبر همنا

وطبقا لنتائج الاستطلاع فإن معظم المشاركين في الاستطلاع في تسع دول عربية إضافة الى الأراضي الفلسطينية رأوا أن الوضع الاقتصادي يشكل التحدي الأكبر على حياتهم في الوقت الراهن، فيما كان الفساد الشغلَ الشاغل للعراقيين وعدمُ الاستقرار بالنسبة لليبيين.

طعام لا يكفي وجيوب خاوية

وعكست الدراسة ارتفاعا مضطردا ومخيفا في نسب الفقر في المجتمعات المشمولة بالاستطلاع. إذا ردت نسبة كبيرة من المشاركين بأن كمية الطعام التي اقتنوها نفدت بسرعة ولم يكن باستطاعتهم شراء المزيد في العديد من الأحيان. وبلغت هذه النسب 68% في مصر و65% في موريتانيا و63% في السودان وانخفضت الى 57% في العراق و55% في تونس و53% في ليبيا و48% في كل من لبنان والأردن و36% في المغرب واستقرت عند 34% في الأراضي الفلسطينية.

وعبرت هذه الفئة من المشاركين الذين لا يستطيعون اقتناء الكافي من الطعام لأسرهم في كل من المغرب والسودان وموريتانيا عن عدم اكتراثهم بقيام نظام ديمقراطي في بلدانهم.

يقول واضعو الدراسة انه لا تبدو في الأفق بوادر على تحسن اقتصادي منتظر في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا بالرغم من التفاؤل الذي عبر عنه مواطنو تلك الدول في الاستطلاع. فبالرغم من الفوضى السياسية والاقتصادية التي تعم المشهد في تونس توقع 61% من المواطنين وضعا أفضل في غضون سنتين أو ثلاث. وانخفضت نسبة التفاؤل الى 49% عند الموريتانيين و45% لدى المصريين و43 عند الليبيين و42% لدى المغاربة و29% عند الفلسطينيين.

لكن الدكتور مايكل روبنز لا يشاطر المواطنين العرب تفاؤلهم بغد أفضل. وأنهى تحليله لمعطيات الاستطلاع بنبرة متشائمة: "مستقبل المنطقة غامض. قد يتطلع مواطنو هذه الدول الى إقامة نظم سياسية بديلة، كنظام الحزب الواحد في الصين الذي تمكن في غضون أربعين عاما من انتشال ملايين الناس من بوتقة الفقر".

يقول واضعو هذه الدراسة إنها تمثل رأي ثلثي عدد السكان في العالم العربي. ويعزون سبب عدم شمولها كل الدول العربية الاثنتي والعشرين إما لمحدودية الميزانية المخصصة للاستطلاع أو بسبب عدم الاستقرار في بعض الدول أو رفض حكومات إجراء الاستطلاع على أراضيها أو بسبب فرضها قيودا على الأسئلة الموجهة لمواطنيها.

قد لا تبعث قراءة نتائج هذا الاستطلاع على التفاؤل بمستقبل الديمقراطية في العالم العربي مثلما كان عليه الأمر عام 2011. إحدى خلاصات هذا الاستطلاع هي أن المواطن العربي مستعد لغض النظر عن حقوقه في الديمقراطية وحقوق الانسان مقابل أن يؤمن له نظامه السياسي رغيفا كافيا له ولأسرته.

إذا كان هذا هو موقف المواطن العربي من الديمقراطية والحاكم في غمرة الأزمة التي خلفها كوفيد - 19 فكيف يفكر اليوم وقد بلغت أسعار المحروقات والمواد الغذائية الأساسية قمما شاهقة نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا والآتي ربما أسوأ؟

كما نشرت صحيفة الإندبندت معالجة حول تراجع الديموقراطية فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جاء فيها :

 عام 2011، احتشد المواطنون في جميع أنحاء الشرق الأوسط في الشوارع للمطالبة بحكومات أكثر تمثيلاً وبالعدالة الاجتماعية والإصلاحات الاقتصادية. في مصر وتونس، أطاحت الحركات الاحتجاجية الديكتاتورين اللذين حكما طيلة عقود. وفي أماكن أخرى من المنطقة، أصيبت الأنظمة الاستبدادية بالهلع بطريقة لم تحدث من قبل. استحوذ "الربيع العربي" على الخيال في جميع أنحاء العالم، وتحدى الافتراضات الراسخة حول الثقافة السياسية في المنطقة.

لكن، في غضون بضعة أعوام، تلاشى الأمل في الغالب، بحيث عاد النظام القديم بقوة وبدرجة أكثر قمعاً من ذي قبل في بعض الأماكن. في المقابل، لم تحسم هذه النتيجة المسألة الأساسية المتعلقة بمستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط بعد أن فشلت هناك حركات الاحتجاج والحكومات الديمقراطية الوليدة في إنهاء حقبة طويلة من الحكم الاستبدادي. ومع ذلك، لا يعني هذا الفشل بالضرورة أن الرغبة بالتغيير الديمقراطي تبددت. فحتى حينما أعاد المستبدون تأكيد سيطرتهم في الأعوام التي أعقبت "الربيع العربي" مباشرة، استمر عدد من المحللين في الاعتقاد بأن الثورات أفرزت تطلعات اقتصادية وسياسية جديدة، ما يشير إلى فجر حقبة أكثر شمولاً. ووفقاً لهذا الرأي، فإن قوس التاريخ في الشرق الأوسط كان طويلاً بالفعل، لكنه مع ذلك كان يميل نحو الديمقراطية.

بعد ما يزيد قليلاً على عقد من الزمان على الانتفاضات الأولية، تضاءلت مبررات هذا التفاؤل. لم يقتصر الأمر على قيام السلطويين بتعزيز حكمهم فحسب، بل والأهم من ذلك، تغيّرت المواقف تجاه الديمقراطية والحقوق السياسية بشكل كبير. ففي زمن الثورات، اعتقد معظم المواطنين في جميع أنحاء المنطقة بأن الديمقراطية تشكّل أفضل نظام سياسي، وفقاً لشبكة أبحاث الـ"باروميتر العربي"، حيث نعمل كمحققَين رئيسيَن مشاركيَن. ففي ثمانية من الدول العشر التي شملها استطلاع الـ"باروميتر العربي" في 2010- 2011، أعرب أكثر من 70 في المئة من المشاركين عن هذا الرأي. لكن بحلول 2018-2019، انخفض الدعم لهذا الرأي. ولم يفضل 70 في المئة على الأقل من المشاركين الديمقراطية على جميع الأنظمة الأخرى إلا في سبعة من أصل 12 دولة شملها الاستطلاع.

ولفهم سبب تلاشي حماسة العالم العربي للديمقراطية، من الضروري أن ندرك أن معظم الناس الذين خرجوا إلى الشوارع في 2011 كانوا مدفوعين ليس بمجرّد الرغبة بالحرية، ولكن أيضاً بالإحباط الشديد من الظروف المادية لحياتهم. تردد كثيراً شعار "العيش والحرية والعدالة" في احتجاجات القاهرة خلال الانتفاضة المصرية، وهناك ما يبرر احتلال "العيش" المرتبة الأولى على قائمة المطالب. لقد رأى المصريون والتونسيون أن الاعتبارات الاقتصادية تشكّل السبب الرئيس لثورات "الربيع العربي" في بلادهم، وفقاً لاستطلاعات الـ"باروميتر العربي" التي أجريت في البلدين في 2011.  سئم المتظاهرون القمع السياسي، لكنهم كانوا غاضبين للغاية من الفرص الضئيلة التي توفّرها الأنظمة الاستبدادية، وفشل الاحتضان القصير الأمد للمشاعر والحركات المؤيدة للديمقراطية، في إنتاج حكومات ديمقراطية دائمة، والأهم من ذلك ربما يتمثّل في فشلها أيضاً في إنتاج التغيير الاقتصادي المنشود بشدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وحاضراً، تعاني المنطقة القضايا ذاتها التي أعاقت تنميتها الاقتصادية عقوداً من الزمن، وعلى رأسها ارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب، وانخفاض معدلات المشاركة في القوى العاملة، خصوصاً بين النساء، ونقص التعليم العالي الجودة وتزايد عدم المساواة وتفشي الفساد. من ناحية أخرى، فاقمت جائحة كورونا الأوضاع لجهة المرض والوفاة، وكذلك من ناحية انهيار أسعار النفط والانخفاض الكبير في السياحة وحدوث تراجع شامل في النشاط الاقتصادي بجميع أنواعه. في هذا الصدد، قدّر "صندوق النقد الدولي" انخفاض معدل النمو السنوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2020 بـ4.7 في المئة، ورجّح "البنك الدولي" أن الوباء تسبب في انخفاض دخل عشرات الملايين من المواطنين إلى مستويات تحت خط الفقر في البلدان التي تتمتع بالسقف الأعلى ضمن الدخل المتوسط.

مع تضاؤل ​​نفوذ الولايات المتحدة، أصبح النموذج الصيني أكثر جاذبية لعدد من العرب.

بالتالي، ربما تدفع كل هذه الضغوط والمصاعب بعض المراقبين إلى توقّع انفجار آخر للاحتجاجات ودعوات للتغيير. وفي 2019، قبل ظهور الوباء، أُطيح الديكتاتورين القديمين في الجزائر والسودان، وأجبرت الاحتجاجات على تغيير الحكومة في العراق ولبنان. ومع ذلك، دعت الحركات التي تقف وراء هذه التطورات، إلى حد كبير، إلى إدارة اقتصادية أفضل بدلاً من الديمقراطية في حد ذاتها. ويبدو أن شعوب العالم العربي استوعبت درساً واحداً قبل كل شيء من ثورات العقد الماضي، يتمثّل في أن التغيير الديمقراطي لا ينتج بالضرورة تحسناً اقتصادياً. ففي الواقع، يميل الناس اليوم في البلدان الأكثر استبدادية في جميع أنحاء المنطقة إلى النظر لأوضاعهم الاقتصادية بشكل إيجابي أكثر من الناس الذين يعيشون في البلدان التي تميل أكثر نحو الديمقراطية.

في غضون ذلك، تراجعت الولايات المتحدة خلال العقد الممتد منذ "الربيع العربي" من المنطقة بطرق أثارت الشكوك حول التزامها دعم أولئك الذين يعارضون الأنظمة القمعية. وعلى الرغم من أن واشنطن رفضت في 2011 تقديم دعم قوي للديكتاتور المصري حسني مبارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة، إلا أنها رفضت أيضاً مواجهة الانقلاب العسكري في 2013 الذي أطاح الحكومة المنتخبة ديمقراطياً التي تشكلت في النهاية بعد سقوط مبارك. كذلك لم تُرفق الولايات المتحدة بدعم حقيقي إشادتها الخطابية بمعارضة الرئيس السوري المستبد بشار الأسد.

ومع تضاؤل ​​نفوذ الولايات المتحدة وركود الاقتصادات الإقليمية، أصبح النموذج الاقتصادي والتنموي الصيني، وبدرجة أقل النموذج الروسي، أكثر جاذبية لعدد من العرب، لا سيما مقابل أوجه القصور المتصورة للنيوليبرالية الغربية. ويبدو أن النظامين الصيني والروسي، في الأقل بحسب ما يراهما كثيرون في الشرق الأوسط، يتجنّبان الاضطراب السياسي للديمقراطية ويقدمان وعوداً بالاستقرار والنمو الاقتصادي. قد يكون لهذا التحول في المفاهيم تداعيات معقدة وغير بديهية إلى حد ما على مستقبل التدخل الأميركي في الشرق الأوسط. ومن المثير للدهشة أنه في البلدان التي تميل إلى الديمقراطية في الأعوام الأخيرة، يميل الناس إلى رؤية الصين وروسيا كشريكين اقتصاديين أكثر فائدة من الولايات المتحدة، بينما في بعض دول الشرق الأوسط ذات الميول الاستبدادية، يُنظر إلى فكرة تعزيز الروابط الاقتصادية مع الولايات المتحدة على نحو أفضل.

على مدار الساعة

إعلانات

فيديو

إعلان